ابن حزم

630

الاحكام

الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل قال أبو محمد : رحمه الله : ادعى قوم أن هذا أيضا نوع من أنواع الاجماع صحيح لا شك فيه . وقالوا : لأنه قد صح إلزام الله عز وجل لنا اتباع الاجماع والنص ، وحرم علينا القول بلا برهان ، فإذا اختلف الناس في شئ فأوجب قوم فيه مقدارا ما وذلك نحو النفقات والأروش والديات ، وبعض الزكوات وما أشبه ذلك ، وأوجب آخرون أكثر من ذلك المقدار فإنهم قد اتفقوا على وجوب اخراج المقدار الأقل كلهم بلا خلاف منهم ، واختلفوا فيما زاد على ذلك ، فالاجماع فرض علينا أن نأخذ به . وأما الزيادة فدعوى من موجبها ، إن أقام على وجوبها برهانا من النص أخذنا به والتزمناها ، وإن لم يأت عليها بنص فقوله مطرح وهو مبطل عند الله عز وجل بيقين لا شك فيه ، ونحن محقون في الاخذ بأقل ما قيل عند الله عز وجل بيقين ، لأنه أمر مجتمع عليه والاتفاق من عند الله عز وجل ، ولزوم ما اجتمع عليه فرض لا شك فيه ، والاختلاف ليس من عند الله عز وجل قال الله تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * . قال أبو محمد : كان يكون هذا حقا صحيحا لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الاسلام في كل عصر ، وإذ لا سبيل إلى هذا فتكلفه عناء لا معنى له ، ولا بد من ورود النص في كل حكم من أحكام الشريعة ، لكن إذا ورد نص بإيجاب عمل ما فبأقل ما يقع عليه اسم فاعل لما أمر به ، يسقط عنه الفرض ، كمن أمر بصدقة ، فبأي شئ تصدق ، فقد أدى ما أمر به ، ولا يلزمه زيادة ، لأنها دعوى بلا نص ولا غاية لذلك فهو باطل . ولا سبيل إلى أن يكون الله تعالى حكم في الشريعة يلزمنا لم يجعل عليه دليلا من نص ، وقال الله تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * فما لم يكن في الكتاب فليس من الدين في شئ ، وهو ساقط عنا بيقين ، ومنهم من قال : بل نأخذ بأكثر ما قيل ، لأنه لا يخرج من لزمه فرض عما لزمه إلا بيقين ، ولا يقين إلا بعد أن يستوعب كل ما قيل .